صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 15

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

وآراء الشريعة المحمدية ، فكل ما ورد في الكتب الكلامية للأشاعرة والمعتزلة هو مجموعة ظلمات بعضها فوق بعض ، لأنها مبتنية على مجادلات وترّهات ، ونحن قلنا في وقته أن البحث في طريقة المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة ممنوع وحرام بدليل العقل والإجماع والسنة والكتاب . أما الطريقة الثانية لبلوغ الحقائق فهي طريقة العارفين وأرباب الكشف ، وهي نفسها طريقة الأنبياء والأولياء . فسالكوا هذا الطريق يرون ملكوت السماوات والأرض بعين البصيرة ، ويدركون حقائق هذا العالم بواسطة الاتصال بالملكوت وباطن الحقائق وهي عوالم العقول الطولية والعرضية ومقام أسماء الحق وصفاته . إن مقدمة هذه الطريقة هي تنقية الباطن والقلب من الشوائب وتنوير الروح ، فالقلب تشع منه أنوار الحق بعد رياضات علمية وعملية . وقد طوى صدر المتألهين هذه الطريقة إضافة إلى استكمال قوة العقل ، لذا نراه يقول في مقدمة هذا الكتاب « 1 » : « لمّا كثرت مراجعتي إلى عالم المعاني والأسرار وملازمتي باب حكمة اللّه ، مفيض الأنوار وطالت المهاجرة عما أكبّ عليه طبايع الجمهور والأعراض بالكليّة إلى الحق القراح عما استحسنوه ثقة بما هو المشهور وقلّدوه خلفا عن سلف اعتمادا على مشافهة الحس للمحسوس واغماضا عن مشاهدة الواردات على القلوب والنفوس قد اطّلعت على مشاهد شريفة إلهية وشواهد لطيفة قرآنية وقواعد محكمة ربانية ومسائل نقية عرفانية قلّما تيسّر لأحد الوقوف عليها ، إلا أوحدي من أفاضل الحكماء أو صوفي صفي القلب من أماجد العرفاء » . ومن هنا جاءت طريقة ملاصدرا لتمتاز عن سائر الطرق ، فهي جمعت بين مسلك الكشف والشهود وطريقة الرأي والفكر ، ولهذا جاء كتابه « الحكمة المتعالية » مشتملا على أكمل البراهين النظرية وأندر القواعد الكشفية ، وكمال المطلوب لديه هو إكمال هاتين الناحيتين . إن نهاية تكميل القوة النظرية وغاية تكميل هذه القوة هي في تصوير النفس الناطقة بصورة الوجود ونظام عالم الوجود « وصيرورتها عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني ومشابها لنظام الوجود » ، لأن تصور نظام الوجود على ما هو عليه يجعل من النفس مادة ومحلا لصور الأشياء ومعدنا لتصوير جميع الحقائق ، لا بل تصبح النفس الإنسانية - حسب الحكمة المتعالية - متحدة بحقائق عالم الوجود بناءا على اتحاد العاقل والمعقول . « وهذا الفن من الحكمة هو المطلوب لسيد الرسل المسؤول في دعائه ( صلّى اللّه عليه وسلم )

--> ( 1 ) مقدمة كتاب « الشواهد الربوبية » ص ( 1 ، 2 ، 3 ) .